محمد سعيد رمضان البوطي

282

فقه السيرة ( البوطي )

عمرة القضاء ثم إن الرسول صلى اللّه عليه وسلم خرج في ذي القعدة من السنة السابعة قاصدا مكة ، وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن دخولها ، فاعتمر عمرة القضاء ، وذكر ابن سعد في طبقاته أن المعتمرين بها معه عليه الصلاة والسلام كانوا ألفين ، وهم أهل الحديبية ومن انضاف إليهم ، ولم يتخلف عنها من أهل الحديبية إلا من مات أو استشهد بخيبر « 1 » . قال ابن إسحاق : وتحدثت قريش بينها بأن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة ، قال : فصفّ له المشركون عند دار الندوة ، لينظروا إليه وإلى أصحابه ، فلما دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه ، وأخرج عضده اليمنى ثم قال : « رحم اللّه امرآ أراهم اليوم من نفسه قوة » ، ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه ، حتى هرول كذلك ثلاثة أطواف ، ومشى سائرها ، قال : فكان ابن عباس يقول : كان الناس يظنون أنها ليست عليهم - أي ليست سنة عامة - وذلك أن الرسول إنما صنعها لهذا الحي من قريش للذي بلغه عنهم ، حتى إذا حج حجة الوداع فلزمها ، فمضت السنة بها « 2 » . وتزوج صلى اللّه عليه وسلم إذ ذاك بميمونة بنت الحارث ، فقيل : إنه تزوجها وهو محرم ( عقد نكاحه عليها فقط ) وقيل : بل عقد عليها بعد التحلل ، وكان الذي زوّجه إياها العباس بن عبد المطلب زوج أختها أم الفضل « 3 » . ولما مضى من دخوله عليه الصلاة والسلام مكة ثلاثة أيام ( وهي المدة التي قاضى قريشا على الإقامة بها ) أتوا عليّا رضي اللّه عنه فقالوا : قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل ، فخرج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « 4 » . وبنى عليه الصلاة والسلام بميمونة في طريقه إلى المدينة في مكان اسمه ( سرف ) قرب التنعيم ، ثم انصرف إلى المدينة في ذي الحجة .

--> ( 1 ) طبقات ابن سعد : 3 / 167 . ( 2 ) سيرة ابن هشام : 2 / 370 ، ومضمون ذلك متفق عليه بروايات متقاربة عند الشيخين . ( 3 ) انظر عيون الأثر : 2 / 148 . ( 4 ) رواه البخاري : 5 / 85 .